ملتقى وطني ديناميكيات المنافسة في الاقتصاد الرقمي

في إطار تعزيز البحث العلمي وتشجيع تبادل المعارف والخبرات الأكاديمية، نظمت المدرسة العليا للتسيير والاقتصاد الرقمي، يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، ملتقى وطني علميا حول «ديناميكيات المنافسة في الاقتصاد الرقمي» نحو إعادة هندسة الاستراتيجيات التنافسية وعصرنة اطر الحوكمة العمومية، بمشاركة حضورية وعن بعد، بحضور أساتذة باحثين وخبراء وممثلين عن هيئات ومؤسسات ذات صلة، إلى جانب طلبة المدرسة.
شكل هذا الملتقى فضاء علميا لمناقشة التحولات التي يشهدها الاقتصاد الرقمي، واستكشاف انعكاساتها على قواعد المنافسة والتنافسية، في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيات الحديثة، وتنامي دور البيانات والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية في تشكيل الأسواق وتطوير أداء المؤسسات.
في كلمته الافتتاحية، أكد مدير المدرسة، البروفيسور محمد حشماوي، أهمية اختيار موضوع الملتقى بالنظر إلى التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وإلى توجه الاقتصاد الجزائري نحو مزيد من الانفتاح. اوضح أن المنافسة تمثل عاملا أساسيا في الاقتصادات المنفتحة والحديثة، مشيرا إلى أن الاقتصاد الرقمي أصبح يؤثر في مختلف القطاعات، سواء تعلق الأمر بالقطاعات الإنتاجية أو الخدماتية أو أنشطة التوزيع.
كما أبرز أن الاقتصاد الرقمي من شأنه إحداث تغييرات جوهرية في أنماط عمل الاقتصادات التقليدية، وهو ما يستدعي دراسة العلاقة بين المنافسة والتنافسية من جهة، والتحول الرقمي من جهة أخرى، مع الوقوف على مدى تأثير التكنولوجيات الحديثة في قواعد المنافسة وضوابطها. وأشار إلى أن تنظيم هذا الملتقى يندرج ضمن مسعى المدرسة إلى فهم هذه التحولات واستشراف التحديات التي تطرحها، بما يسمح بالاستعداد لها والمساهمة في تطوير الاقتصاد الجزائري.
من جهته، تناول رئيس مجلس المنافسة، البروفيسور دخينيسة احمد، في مداخلته، دور مجلس المنافسة في ضبط وتنظيم الأسواق ومواكبة التحول نحو الاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية، مؤكدا أن المنافسة الحقيقية لا تتحقق إلا من خلال إطار قانوني ومؤسساتي فعال يستجيب للتحولات الاقتصادية والرقمية المتسارعة.
كما شدد على أهمية تعزيز التنسيق بين مجلس المنافسة والهيئات المختصة ومؤسسات التعليم العالي، من خلال وضع خطة عمل استراتيجية مشتركة، تهدف إلى دعم التعاون وتبادل الخبرات وتطوير البحث العلمي والتكوين في المجالات ذات الصلة.
وأبرز أهمية ربط التكوين الجامعي باحتياجات المؤسسات والهيئات الاقتصادية، مثمنا دور المدرسة العليا للتسيير والاقتصاد الرقمي في إعداد كفاءات متخصصة قادرة على مواكبة متطلبات الاقتصاد الجديد. وتطرق كذلك إلى التحديات المرتبطة بالإطار القانوني المنظم للاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية، مؤكدا ضرورة تكييف التشريعات مع المستجدات الاقتصادية والتكنولوجية، وتعزيز التنسيق بين القطاعات الوزارية والهيئات المعنية.
وأشار أيضا إلى أن تطوير المنافسة في الجزائر لا يقتصر على سن القوانين فحسب، بل يستدعي أيضا إرساء حوكمة فعالة، والاستثمار في الكفاءات، وتعزيز البحث العلمي والخبرة المتخصصة، بما يسمح باستغلال الإمكانات التي يتيحها الاقتصاد الجزائري وتحويلها إلى نتائج ملموسة تدعم التنافسية وفعالية الأسواق.
وفي مداخلة للدكتورة شيبان اسيا، مديرة مخبر الحلول الذكية في التسيير والاقتصاد  » MESSLA » بالمدرسة، قدمت قراءة تحليلية للتحولات التي طرأت على طبيعة المنافسة في الاقتصاد الرقمي، مستندة إلى مثال واقعي يتعلق بخروج شركة كبيرة من السوق في الجزائر بعد أربعة عشر شهرا من العمل، مقابل تقدم منصة وطنية صغيرة. وقد طرحت هذه الحالة مجموعة من التساؤلات حول طبيعة التحولات التي تعرفها الأسواق، والجهات التي أصبحت تتحكم في قواعدها، ومدى قدرة المؤسسات على التكيف مع أنماط المنافسة الجديدة.
وأوضحت أن فهم هذه التحولات يتطلب تجاوز التصورات التقليدية للمنافسة، من خلال التركيز على مجموعة من العوامل الأساسية التي أصبحت تحدد موازين القوى في الاقتصاد الرقمي. وفي مقدمة هذه العوامل: آثار الشبكة، التي ترتبط بقيمة المنصة بمدى اتساع قاعدة مستخدميها وتفاعلهم معها، البيانات باعتبارها موردا استراتيجيا يتيح فهم احتياجات المستخدمين وتحسين الخدمات وتعزيز القدرة التنافسية.
كما أبرزت دور المنصات الرقمية في الجمع بين البائعين والمشترين ضمن فضاء واحد، بما يسمح لها بتجاوز الحدود التقليدية للقطاعات الاقتصادية، إلى جانب أهمية الابتكار المتواصل في بيئة تنافسية تتغير فيها قواعد السوق باستمرار. وأكدت أن فهم العلاقة المتداخلة بين آثار الشبكة والبيانات والمنصات والابتكار يمثل مدخلا أساسيا لتحليل ديناميكيات المنافسة الرقمية واستيعاب التحولات التي تعرفها الأسواق.
من جانبه، قدم رئيس الملتقى، الدكتور ولد معمر اسامة، عرضا حول المسارات البحثية الخمسة التي تؤطر أشغال الملتقى، والتي تمحورت حول طبيعة المنافسة وخلق القيمة ضمن الاقتصاد الرقمي، الميزة التنافسية والقيادة الاستراتيجية في ظل التحول الرقمي، البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي باعتبارهما أصولا تنافسية، حوكمة الاقتصاد وتنظيم الأسواق والتحديات والحلول في العصر الرقمي، إضافة إلى دراسة التجارب المحلية والدولية في هذا المجال.
وقد أتاحت هذه المسارات إطارا علميا متعدد الأبعاد لمناقشة مختلف جوانب المنافسة الرقمية، من آليات خلق القيمة وتطوير المزايا التنافسية، إلى دور التكنولوجيا والبيانات في تحسين أداء المؤسسات، وصولا إلى القضايا التنظيمية والقانونية المرتبطة بتحولات الأسواق واستعراض التجارب التي يمكن الاستفادة منها في السياق الجزائري.
كما تضمن برنامج الملتقى تنظيم ورشات علمية عن بعد شكلت فرصة لتعميق النقاش حول المحاور المطروحة، وتبادل وجهات النظر بين المشاركين، ومناقشة الإشكاليات البحثية والتطبيقية المرتبطة بالمنافسة في الاقتصاد الرقمي، بما يعزز التفاعل بين البحث الأكاديمي والواقع الاقتصادي.
وفي ختام أشغال الملتقى، عقدت جلسة نقاش تفاعلية جمعت الأساتذة الباحثين والخبراء والطلبة، خصصت لطرح مختلف الإشكاليات والتساؤلات المرتبطة بموضوع الملتقى، حيث تم تقديم التوضيحات والإجابات بشأنها، بما أتاح فرصة لتبادل الآراء والخبرات وتعميق النقاش العلمي حول التحديات والفرص التي يطرحها التحول الرقمي أمام المؤسسات والهيئات التنظيمية في الجزائر. كما أكدت المناقشات أهمية تكامل الأدوار بين الجامعة ومجلس المنافسة ومختلف الفاعلين الاقتصاديين، وتعزيز البحث والتكوين وتحديث الأطر القانونية والتنظيمية، بما يدعم الابتكار ويعزز تنافسية المؤسسات ويسهم في تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة.
 توجت اشغال الملتقى بجملة من التوصيات كالاتي.
    توصيات الورشة الأولى: البيانات والذكاء الاصطناعي من اجل تعزيز الميزة التنافسية في الاقتصاد الرقمي
1- ضرورة تبني الشركات التقليدية لمقاربات Business Model Digital Dynamique» »، والانتقال التدريجي نحو المنصات، الاشتراكات والخدمات المرتكزة على البيانات لضمان الاستدامة التنافسية؛
2- ضرورة إعادة تأطير الإفصاح المحاسبي والمالي للاعتراف بالبيانات ورأس المال البياناتي كأصول استراتيجية قابلة للرسملة والتقييم؛
3- التركيز على جودة البيانات وتوفير البنية التحتية الرقمية الموثوقة لتعظيم العائد التقييمي والتشغيلي للاستثمار الرقمي؛
4- الاستثمار في التدريب المستمر للفرق الإدارية والمحاسبية والتسويقية على أدوات التحليل المتقدمة، الذكاء الاصطناعي وتقنيات التسيير الرقمي الحديث؛
5- بناء أطر حوكمة واضحة للبيانات والذكاء الاصطناعي لضمان الخصوصية، الشفافية والحد من التحيز الخوارزمي، ومواجهة الممارسات الاحتكارية للمنصات الكبرى؛
     توصيات الورشة الثانية: القيادة الاستراتيجية وحوكمة المؤسسات: رهانات التنافسية في الاقتصاد الرقمي
1- تحديث وتطوير البنية التحتية للاتصالات والأنترنت عالي السرعة، وتوحيد الجهود بين القطاعين العام والخاص؛
2- تبني خريطة طريق استراتيجية طويلة المدى بدلا من الحلول المستعجلة لضمان انتقال مرن وآمن نحو الاقتصاد الرقمي،
3- تشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على تبني الأدوات الرقمية وتسريع التعامل الإلكتروني من خلال توفير برامج دعم مالي وحوافز ضريبية،
4- تحسين شفافية المعلومات المالية للمؤسسات عبر القنوات الرقمية لتقليل عدم تماثل المعلومات وتسهيل حصولها على التمويل والقروض؛
5- توطين التكنولوجيا وصناعة البرمجيات بدلا من الاكتفاء باستيرادها واستغلال البيانات الضخمة Big Data، لتحسين العلاقة مع العملاء واتخاذ القرار؛
6- الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وحده غير كاف، بل يجب أن يقترن بتطوير كفاءات القيادة الاستراتيجية القادرة على تفسير المتغيرات وتوجيه الموارد بفعالية؛
7- جعل التحول الرقمي ومشاريع الحكومة الالكترونية أولوية استراتيجية باعتبارها الأداة الأسرع لترجمة سياسات الحوكمة إلى واقع ملموس؛
8- ضرورة التزام الإدارة العليا للمؤسسات بوضع رؤية استراتيجية رقمية واضحة تدمج التكنولوجيا في أهداف الأعمال؛
9- توجيه الاستثمارات العمومية نحو بناء المهارات الرقمية المتقدمة المتقدمة وتطوير حاضنات الابتكار لاستبقاء الكفاءات الوطنية والحد من هجرة الأدمغة؛
10- إدماج أدوات التحليل الرقمي في تسيير الموارد البشرية لضمان توافق السياسات مع الأداء الفعلي؛
11- عقد شراكات استراتيجية بين المؤسسات الاقتصادية والجامعات ومراكز البحث العلمي لدعم الابتكار وبناء نظام بيئي رقمي مستدام؛
توصيات الجلسة الرئيسية:
 ضرورة تحيين القانون رقم 18-05 المتعلق بالتجارة الإلكترونية بما يضمن التكامل بين تنظيم المعاملات الرقمية وحماية المنافسة وتسهيل حلول الدفع الإلكتروني لدعم المؤسسات الناشئة.
 دراسة إمكانية إرساء منظومة لليقظة التنافسية الرقمية لدى مجلس المنافسة تعتمد على آلية استباقية قائمة على مراحل متكاملة: الرصد، التحليل، الاستباق، التدخل، والتقييم.
 اعتماد مصفوفة تحليلية متعددة المؤشرات لتقدير القوة السوقية في البيئة الرقمية تأخذ في الاعتبار حجم البيانات، تأثيرات الشبكة، تكاليف التحول، وشروط النفاذ والترتيب عبر المنصات.